الآلوسي
222
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
ثبوت علم هذا الجنس ثبوت علم كل فرد من أفراده لأنها لم تسق للاستدلال بها على ذلك ، وكم وكم من دليل عقلي ونقلي يدل عليه ، وتعقب بأن الغيب من حيث إنه غيب لا يتفاوت فمتى ثبت العلم ببعض أفراده ثبت العلم بجميعها دفعا للزوم الترجيح بلا مرجح فتأمل . واختار بعضهم الاستغراق أي لا يعلم من في السماوات والأرض كل غيب إلا اللّه فإنه سبحانه يعلم كل غيب لأنه الأوفق بالمقام ، واعترض بأنه يلزم أن يكون من أهل السماوات والأرض من يعلم بعض الغيوب ، وظاهر كلام كثير من الأجلة يأبى ذلك ، ويؤيده ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وجماعة من المحدثين من حديث مسروق عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : من زعم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يخبر الناس بما يكون في غد . وفي بعض الروايات . يعلم ما في غد فقد أعظم على اللّه تعالى الفرية واللّه تعالى يقول : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ، وجوز بعضهم أن يكون منهم من يعلم بعض الغيوب ، ففي بيان قواطع الإسلام تأليف العلامة ابن حجر بعد الرد على من أكفر من قيل له : أتعلم الغيب ؟ فقال : نعم لأن فيما قاله تكذيب النص وهو قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] ، وقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] ما نصه : وعلى كل فالخواص يجوز أن يعلموا الغيب في قضية أو قضايا كما وقع لكثير منهم واشتهر ، والذي اختص به تعالى إنما هو علم الجميع وعلم مفاتح الغيب المشار إليها بقوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [ الجن : 26 ] الآية ، وينتج من هذا التقرير أن من ادعى علم الغيب في قضية أو قضايا لا يكفر وهو محمل ما في الروضة ، ومن ادعى علمه في سائر القضايا يكفر وهو محمل ما في أصلها إلا أن عبارته لما كانت مطلقة تشمل هذا وغيره ساغ للنووي الاعتراض عليه فإن أطلق فلم يرد شيئا ، فالأوجه ما اقتضاه كلام النووي من عدم الكفر انتهى . ولعل الحق أن يقال : إن علم الغيب المنفي عن غيره جل وعلا هو ما كان للشخص لذاته أي بلا واسطة في ثبوته له ، وهذا مما لا يعقل لأحد من أهل السماوات والأرض لمكان الإمكان فيهم ذاتا وصفة وهو يأبى ثبوت شيء لهم بلا واسطة ، ولعل في التعبير عن المستثنى منه بمن في السماوات والأرض إشارة إلى علة الحكم ، وما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شيء ضرورة أنه من الواجب عزّ وجل أفاضه عليهم بوجه من وجوه الإفاضة فلا يقال : إنهم علموا الغيب بذلك المعنى ومن قاله كفر قطعا ، وإنما يقال : إنهم أظهروا أو اطلعوا . بالبناء للمفعول ، على الغيب أو نحو ذلك مما يفهم الواسطة في ثبوت العلم لهم ، ويؤيد ما ذكر أنه لم يجئ في القرآن الكريم نسبة علم الغيب إلى غيره تعالى أصلا ، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى سبحانه من رسول لا يقال : يجوز على هذا أن يقال : أعلم فلان الغيب بالبناء للمفعول أيضا على معنى أن اللّه تعالى أعلمه وعرفه ذلك بطريق من طرق الإعلام والتعريف ، ومتى جاز هذا جاز أن يقال : علم فلان الغيب بقصد نسبة علمه الحاصل من إعلامه إليه لأنا نقول : لا كلام في جواز . أعلم . بالبناء للمفعول ، وإنما الكلام في قولك : ومتى جاز هذا جاز أن يقال إلخ ، فنقول : إن أريد بالجواز في تالي الشرطية الجواز معنى أي الصحة من حيث المعنى فمسلم لكن ليس كل ما جاز معنى بهذا المعنى جاز شرعا استعماله ، وإن أريد الجواز شرعا بمعنى عدم المنع من استعماله فهو ممنوع لما فيه من الإيهام والمصادمة لظواهر الآيات كآية قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وغيرها ؛ وقد سمعت عن الإمام الرباني قدس سره النوراني أنه حط كل الحط على من قال اللّه سبحانه : « لا يعلم الغيب » متأولا له بما تقدم لما فيه من المصادمة للنصوص القرآنية وغيرها ، وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه ، وقد شنعوا أيضا على من قال : أكره الحق وأحب الفتنة وأفر من الرحمة مريدا بالحق الموت ، وبالفتنة المال أو الولد ، وبالرحمة المطر لما في ظاهره من الشناعة والبشاعة ما لا يخفى . نعم لا يكفر قائل